ابن الجوزي
418
كتاب ذم الهوى
وإذا شاب نائم في ظل البيت ، فلما دنوت منه وسلّمت ترنّم بصوت له ضعيف : جعلت لعراف اليمامة حكمه * وعراف نجد إن هما شفياني فقالا نعم نشفي من الدّاء كلّه * وقاما مع العوّاد يبتدران نعم وبلى قالا متى كنت هكذا * ليستخبراني ، قلت منذ زمان فما تركا من رقية يعلمانها * ولا سلوة إلا بها سقياني فقالا شفاك اللّه واللّه ما لنا * بما حمّلت منك الضلوع يدان ثم شهق شهقة خفيفة ، فنظرت فإذا هو قد مات . فقلت : أيها العجوز ، ما أظن هذا النائم بفناء بيتك إلا مات . فقالت : نفسه واللّه نفسه . ثلاث مرات . فدخلني من ذلك مالا يعلمه إلا اللّه تعالى ، فاغتممت وخفت أن يكون موته لكلامي . فلما رأت العجوز جزعي قالت : هوّن عليك فإنه قد مات بأجله ، واستراح مما كان فيه ، وقدم على ربّ غفور ، فهل لك في استكمال الأجر ؟ هذه الأبيات منك قريب تأتيهم فتنعاه إليهم ، وتسألهم حضوره . فركبت فأتيت أبياتا منهم على قدر ميل ، فنعيته إليهم ، وقد حفظت الشعر . فجعل الرجل بعد الرجل منهم يسترجع . فبينا أنا أدور إذا أنا بامرأة قد خرجت من خبائها تجر خمارها ، ناشرة كأنها الشمس طالعة ، فقالت : أيها الناعي ، بفيك الكثكث بفيك الحجر « 1 » ، من تنعى ؟ قلت : عروة بن حزام . قالت : بالذي أرسل محمدا بالحق ، واصطفاه بالنبوة هل مات ؟ قلت : نعم . قالت : ماذا فعل قبل موته ؟ فأنشدتها الشعر . فو اللّه ما نهنهت أن قالت : عداني أن أزورك يا خليلي * معاشر كلّهم واش حسود أشاعوا ما سمعت من الدّواهي * وعابونا وما فيهم رشيد
--> ( 1 ) الكثكث : التراب وفتات الحجارة .